هل الحب حرام أم حلال

You are currently viewing هل الحب حرام أم حلال

الحب من أسمى مشاعر الإنسان وأنقاها، فهو تعلق بالقلب وراحة نفسية عند وجود المحب وغذاء للروح، وعند ذكر كلمة الحب فإن الكثير من المعاني تظهر والكثير من أنواعه تذكر، لكن ما حكم الحب في الإسلام؟ هذا ما سنناقشه اليوم.

الحب

الحب هو نتاج مجموعة من المشاعر العاطفية القوية والعقلية تتراوح من أطيب الأخلاق إلى العادات اليومية البسيطة، تختلف مشاعر الحب باختلاف مسمياتها وأنواعها، فالحب بين الأم وابنتها يختلف عن الحب بين الصديق وصديقه وعن الحب بين الزوج وزوجه، وهو أساس العلاقات البشرية التي يتعامل على أساسه الأشخاص بينهم، فهو مشاعر تلقائية لا يتحكم فيها المرء تجعله يتقبل الآخر أو يرفضه، ويتعامل مع على أسس مختلفة. وذكر الإغريق خمس أنواع للحب:

  • حب الإله.
  • حب العائلة.
  • حب الصديق.
  • حب الأزواج.
  • حب الضيف.
  • وذكر علماء النفس الحديثون أنواع أخرى للحب.
  • كالحب دون المقابل.
  • الحب الوله والعشق.
  • حب النفس.

الحب في الإسلام

في الإسلام، فإن الحب ليس كما يخطر ببال الكثير كما يغنيه المغنون، حب وعشق ووله وتغزل بالمرأة. في الإسلام فإن الحب هو الحياة والحياة هي الحب، فقد قال الله تعالى في سورة آل عمران الآية 31 (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنوبَكُمْ)، بذلك انفرد الإسلام عن دونه من الأديان بأنه دين الحب، حب الله تعالى وحب نبيه الأمين وحب دينه وتقبله كما هو بأحكامه وأوامره، واتباعه بقبول ورضى.

وتكلم الرسول عليه الصلاة والسلام عن الحب قائلًا (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) ففرق بين أنواع الحب وحدد أن أهم أنواعه وأسماها هو حب الله ورسوله، لإن الله وحده من يستحق الحب فهو خالق الحب. [1]

وفي أمثلة حب الصحابة لله تعالى، وتقديمهم كلِ ما يملكوا من أجل الله، أن الصحابي أنس بن النضر قاتل في معركة أحد قائلًا (اللهم إنك تعلم أني أحبك، فخذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى)، وارتفعت روحه إلى خالقه بعد أن قاتل في سبيل الله وتلقى أكثر من ثمانين ضربة، فهذا هو أجلُّ أنواع الحب وأسمى ما ذكر في بذل النفس للمحب. [2]

محبة الله ورسوله

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار). ثلاث خصال من وجدت فيه وجد لذة الطاعة، وتحمل المشاق الصعبة إرضاء لله تعالى ولرسوله الكريم، ونال الحلاوة من الإيمان وظفر بها، وهي:

  • أن يحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حبًا قلبيًا يميل كل الميل لله.
  • أن يحب أخوته المسلمين حبًا في الله، أي أن يحبهم لإسلامهم ولأنهم أخوته في الدين.
  • أن يكره الكفر وأهله، ويكره العودة في الكفر كما يكره أن يلقى في النار. [3]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ». وتكون محبة الرسول عليه الصلاة والسلام بالالتزام بأربع لوازم:

  • تصديقه بما أخبر، وطاعته بما أمر، واجتناب ما نهى عنه.
  • كثرة الصلاة عليه وذكره.
  • احترامه وتقديره عليه الصلاة والسلام، واتباع سننه.
  • وتقديم قوله على قول غيره من الأنبياء والصحابة. [4]

حب المؤمنين لبعضهم البعض

تحت راية الإسلام وشهادة التوحيد، يجتمع المسلمون معا تحكمهم الشريعة الربانية، ويسود المجتمع الحب والتفاني ومنهاج الحياة العادل، وعلى ذلك فإن الله تعالى جعل قلوب المسلمين متآلفة فيما بينها يحبون بعضهم البعض في الله لإسلامهم لا لدونه من الأسباب، وجعل ذلك من علامات الإيمان.

بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة، آخى بين المهاجرين القادمين من مكة والأهل المدينة الأنصار من أجل أن ينصروا بعضهم البعض ويتآزروا، في صورة تكافل اجتماعي لم يوجد من قبل في ديانة أخرى أو مجتمع آخر.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى”، فتجدهم يتآزرون ويدعمون بعضهم، كجسد رجل واحد على قلب واحد، وتبقى أخوة المهاجرين والأنصار من أسمى أنواع الحب في الإسلام، فهو حب أخوي وحب في العقيدة وحب للخير. [5]

الحب العائلي

الحب بين الأم وأبنائها وبين الأب وأبنائه هو أول أنواع الحب التي يعيها الإنسان في حياته، فهو الحب الذي يقابله عند أخذ أول نفس له في الحياة، فيجد أمه ترضعه ووالده يلاعبه، فهو الحب الذي يكون شخصية المرء ويعلمه عن ذاته وقيمة نفسه، ومن أمثلة ذلك في الإسلام حب الرسول عليه الصلاة والسلام لابنته فاطمة رضي الله عنها، فقد قال لها (أَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّا مَرْيَمَ).

وقالت عائشة رضي الله عنها: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ كلام وحديث بِرَسُولِ اَللَّه- صلى اَللَّه عليه وسلم- مِنْ فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا، وَقَبْلهَا، وَرَحَّبَ بِهَا، وَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَتْ هِيَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا، قَامَتْ إِلَيْهِ، فَقَبَّلَتْهُ، وَأَخَذَتْ بِيَدِهِ. [6]

الحب بين الأزواج

للحب أنواع كثيرة لكن أول ما يصرف إليه العقل عند ذكره هو الحب بين الرجل والمرأة، وهو نوعان:

ما لا يستطيع القلب رده

حب لا دخل للإنسان فيه وهو تعلق القلب بشيء عند ذكره، كتعلق قلب الرجل بامرأة ذكرت محاسنها أمامه، أو تعلق المرأة برجل ذكرت مميزاته أمامها، وهو حب لا يؤثم عليه المرء لأنه خارج عن إرادته لا يتحكم فيه، وهو ما قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم (اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ).

وما يكون من اختيار القلب

وهو نوع يتحكم فيه المرء، بل ويؤثم عليه لما فيه من خراب للبيوت وتسبب بالعداوة بين الناس، قد يكون فيه لقاء بين الرجل والمرأة وتواصل بينهم دون نية الزواج والاجتماع بما يرضي الله، وهو حب محرم لما فيه من خَشْيَة الوقوع بالحرام، لأنه لا يجتمع رجل وامرأة بمفردهما دون رابط شرعي إلا وكان الشيطان ثالثهما يوسوس لهما فعل الحرام [7]، وفي أدلة ذلك:

  • قوله تعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ» (النور: ٣٠).
  • قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»
  • وورد عن الرسول أن جاءت إليه في الحج جارية شابه تستفتيه فقالت: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، أَفَيُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: حُجِّي عَنْ أَبِيكِ. وأثناء حديثه معها لوى عنق الفضل بن العباس، فقال له العباس: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنْ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا ……..) ففي ذلك خوف النبي عليه الصلاة والسلام من الفتنة عن طريق النظر فقط، دون أن يكون بينهما كلام أو غزل، فإن نظر الرجل إلى المرأة دون حاجة محرم.
  • قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ»

ولعل من أهم الأمثلة وأطيبها وأسماها للحب الحلال بين الأزواج، هو حب الرسول صلى الله عليه وسلم لزوجته خديجة بنت خويلد، فقد كانت زوجته الأولى، التي آزرته ودثرته وآمنت به وصدقته وكانت أول من صلى معه، حبه الأول وأم بناته، وقال عليه الصلاة والسلام عن حبه لها (إني قد رزقت حبها).

وكان حبه لها صريحًا حتى بعد وفاتها، بسبب ذلك كانت غَيْرَة عائشة رضي الله عنها منها واضحة، فقد قالت: ما غرت للنبي صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكره إياها وما رأيتها قط. [8]

الحب المحرم

الحب حلال وهو أساس الإيمان، فلا يكتمل إيمان العبد إلا بحبه لله تعالى ولرسوله، والحب من أهم المشاعر في العلاقات البشرية، وقد كان للحب بين الأزواج في الإسلام الكثير من الأمثلة، ففي حب الرسول عليه الصلاة والسلام لزوجه خديجة أسمى الأمثلة، وحب علي بن أبي طالب لزوجته فاطمة بنت محمد عليه الصلاة والسلام.

أما الحب المحرم وما لا يرضاه الشرع والدين، هو الحب خارج إطار الشرع والزواج، فلم يجتمع رجل وامرأة دون رابط شرعي إلا وكان الشيطان ثالثها، يوسوس لهمها فعل الشر والمعاصي، وقد نهى الإسلام عن انفراد الرجل والمرأة.

وينطبق ذلك في العصر الحديث عن انفرادهما بالمحادثات الخاصة على الهواتف والتطبيقات المختلفة، ما لم تكن هناك أي نية لارتباط شرعي بأمر الله تعالى يحلل علاقتها، وأمر الإسلام بغض البصر والستر لمنع حدوث الفتن وتجنب المعاصي.

في الختام، خلق الله الحب وجعله أساس الإسلام وأعلى مراتب الإيمان، وأباحه بين عباده بصوره وأنواعه المختلفة، فحب الله تعالى ورسوله هو أعلى مراتب الحب وأولها، والحب بين العباد المؤمنين في الدين تحت راية الإسلام، والحب بين الآباء والأبناء، والحب بين الأزواج الذين تجمعهم الأربطة الشرعية.

المراجع
  1.  .↑ shamela.ws-book-الحب والفن والجمال دين الحب لله ورسوله ، لا الحب الذي يقصده المغنون والمغنيات- كتاب دروس الشيخ عائض القرني
  2. shamela.ws-الإسلام دين الحب لله ورسوله ، لا الحب الذي يقصده المغنون والمغنيات صور من سير المحبين لله تعالى-كتاب دروس الشيخ عائض القرني- ج 280- ص11
  3. shamela.ws-book-فهرس الكتاب كتاب التوحيد باب قول الله تعالى ومن الناس من دون الله أندادا-الجديد في شرح كتاب التوحيد ص 284
  4. shamela.ws-أحب لأخيك ما تحب لنفسك لوازم الرسول صلى الله عليه وسلم – كتاب دروس الشيخ عائض القرني – ج 230 – ص 11
  5. shamela.ws-book- الفصل وقفة عند المؤاخاة بين أنواع الحرف والصحيح – كتاب الولاء والبراء في الإسلام – ص 194
  6. shamela.ws-book- زواج علي -رضي الله عنه- من فاطمة رضي الله عنها * استدلال قوي – كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون – ج 2 – ص 518
  7. shamela.ws-book-المطلب الثاني: العلاقات المحرمة قبل الزواج ما هو حكم الحب؟ – كتاب منكرات الأفراح – ص 20
  8. shamela.ws-book- كتاب فضائل الصحابة (٦٤٢) باب من فضائل خديجة رضي الله عنها – كتاب فتح المنعم شرح صحيح مسلم – ج 9 – ص 367
Visited 400 times, 1 visit(s) today