المعرفة هي القوّة

You are currently viewing المعرفة هي القوّة
مفهوم المعرفة

المعرفة مفهوم تناولته الأدبيات ذات الصلة بشكل واسع، وهو بالطبع مفهوم تطورت نظرة الإنسان له عبر العصور، ابتداءً في البحث عن كيفية أفضل السبل للعيش (كالصيد، والزراعة)، وصولاً للبحث عن ماهية الوجود والتساؤلات حول أصل العالم وماهية الأشياء. وبالتالي كانت التساؤلات المرتبطة بهذا المفهوم ملازمةً للإنسان بشكل عام، وللفلاسفة والعلماء بشكل خاص. وبلا شك تزايد اهتمام العلماء للبحث في مفهوم المعرفة مع التطور الصناعي، وصولاً للتطور التكنولوجي وعصر المعلومات والذكاء الاصطناعي، فأصبح له تخصصات أكاديمية تهتم بكل جوانب المعرفة ابتداءً من صناعتها، ومروراً بإدارتها، ووصولاً لما يسمى باقتصاد المعرفة.

وكأي مفهوم آخر، تتباين وجهات النظر التي تناولت موضوع المعرفة، وبما أن المقالة الحالية هي مقالة (وجهة نظر) سيتم سرد وجهة نظري التي تدعم مفهوم قوّة المعرفة، إضافةً لعرض وجهات نظر أخرى تختلف في نظرتها لهذا المفهوم.[1]

وكما قال الأمين العام السابع للأمم المتحدة كوفي عنان ذات مرّة: “المعرفة هي القوّة، المعلومات تحرر، التعليم هو أساس التقدم، في كل مجتمع، في كل أسرة”،بإمكاننا ومن خلال البحث في آثار المعرفة في المجتمعات على شتى الأصعدة أن ندعم وجهة النظر التي ترى بأن المعرفة قوّة، فبالنظر للمعرفة على أنها مؤشر حيوي في قياس تقدم الشعوب لا بد لنا من عرض بعض الآثار التي تعزى للتقدم المعرفي لأي مجتمعٍ كان، كالآثار الاقتصادية للمعرفة وبعض الآثار الاجتماعية (مستوى جودة التعليم، مؤشرات الإبداع، الاستقرار السياسي…إلخ).

فمن خلال النظر في تاريخ سيرورة تقدم المجتمعات نرى بأن المعرفة كانت اللبنة الأساسية لهذا التقدم، لذلك نرى حصول الثورات الفكرية التي عادةً ما تسبق أي ثورة من نوع آخر (كالثورة المعرفية التي حصلت في أوروبا في القرنين الثامن عشر، والقرن التاسع عشر) فنرى سيل من المفكرين والعلماء الذين ساهموا في صناعة الفكر الذي كان مسؤولاً عن تقدم هذه الأمم. وبالعودة للحاضر نرى بأن للمعرفة الحضور الأقوى في سباق الأمم نحو التقدم. فنرى سباق الدول نحو التحول الرقمي في أَوجه، فضلاً عن ثورة الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، وذلك بالطبع لا يمكن أن يحصل دون البحث في كيفية توليد ونشر وتوطين المعرفة والتي تعتبر من الأصول الثمينة لكل دولة تعمل على تنمية وتطوير مجتمعاتها. وهنا لا بد من الإشارة إلى مؤشر المعرفة العالمي والذي يُعدّ إضافةً مهمّةً للرصيد المعرفي العالمي المتعلّق ببناء المؤشّرات التنمَوية، لما يوفّره من بياناتٍ متنوعة وموثوق بها تساعد البلدان وصنّاع القرار فيها على فهم التحوّلات والتحدّيات الحقيقيّة وسبُل مواجهتها، وبالتالي على استكشاف آفاق المستقبل ومساراته الممكنة ( المكتب الاقليمي للدول العربية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الانمائي، و مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، 2021).

ومن خلال النظر في مساهمة المعرفة في اقتصادات الدول، على سبيل المثال مساهمة المعرفة في الناتج المحلي الإجمالي للدولة، نرى أن للمعرفة عمليات تساهم في إنتاج المهارات التي تربط الأفكار بالفرص من خلال الابتكار والإبداع. ومع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، يمكن للأسر الصعود على سلم الثروة وتحسين فرص الحياة. ونتيجة لذلك، فإن الناتج المحلي الإجمالي هو من الموارد التي توفر الحجم والنطاق لمستويات المعيشة مع انتقال المزيد من الأموال إلى أنشطة أوسع. ومن الناحية الفنية، إن الناتج المحلي الإجمالي هو انعكاس للعمل ورأس المال والتكنولوجيا التي تعمل على إنتاج السلع والخدمات التي تعكس الثروة الوطنية. حيث تخلق مجموعات من هذه المدخلات نموا يحدد أين تقف الدول على مؤشر يربط الثروة بالتقدم. يتم تحسين العمل من خلال مهارات العمال، والسلع الرأسمالية من خلال الاستثمار؛ معاً تعيد هذه الموارد التوازن إلى مساهماتها في ديناميكيات النمو المتغيرة الناجمة عن تحسين المعرفة.[2]

وبالتالي نرى مساهمة المعرفة في الناتج المحلي الإجمالي من خلال إنشاء قوى عاملة ماهرة، بالإضافة لتوليد الإبداع، مما يؤدي لخلق أفراد أكفّاء وتكنولوجيا متقدمة تساهم في نمو الدولة.

وبالنسبة لدور المعرفة في التنمية المستدامة فقد كان لها الدور الأبرز من خلال قطاع التعليم في الدولة، وبالتالي القيام بعمليات التعليم للقوى البشرية، وتأهيل الكوادر، والمساهمة في محو الأمية، وبالتالي خلق أجيال جديدة قادرة على النهوض بالمجتمعات نحو التنمية المستدامة. وذلك إضافةً لعملية نشر الوعي وتجديد منظومة القيم للمجتمع، تلك العملية التي تكون على عاتق النخب الثقافية للمجتمع، وذلك لا يمكن أن يكون إلا من خلال عمليات توليد ونشر وتوطين المعرفة في المجتمع. وكما ذكر وليم لوكسلي في مقالته بأنه ليس من قبيل المبالغة القول إن المعرفة هي الأساس الذي يعزز رأس المال البشري، والبحث والتطوير، والإنفاق الرأسمالي اللازم لثروة الأمة. إذا كان اقتصاد المعرفة يدفع التنمية في نهاية المطاف من خلال توزيع أوسع وتدفق أعمق للأفكار في جميع أنحاء المجتمع، فإنه يفعل ذلك على خلفية ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، مما يسمح باستثمار أكبر في المستقبل (loxley، 2022) .

 وبالتالي المعرفة تحدث فرقا على جميع مستويات التنمية. وعندما توضع المعرفة موضع التنفيذ لتسريع عملية التنمية وتعميقها، وتطبيقها على جميع أنواع الابتكار، بما في ذلك الأنواع الأكثر تواضعا في شكل نشر التكنولوجيا الأساسية، فإنها تصبح موردا رئيسيا لتوليد الثروة وفرص العمل وبالتالي تحقيق التقدم والتنمية. ومن هنا أؤكد على ما ورد بأحد تقارير اليونيسكو عن المعرفة:” أصبحت قوة الدول وقدراتها في التأثير على مجريات الأمور والتحكم في مصائرها ومستقبلها تقاس بالقوة المعرفية؛ كما أصبحت ظاهرة المعرفة تتحرك معنا في كل مجالات الحياة وفي ميادين المعلومات، والابداع، والسياسة، والتعليم، والصناعة. وبذلك تحولت المعرفة إلى قوة في حد ذاتها وقد ترتب على هذا الفهم أن أصبحت الدول تتنافس على امتلاك المعرفة، وتوجه كل القدرات الإبداعية والابتكارية والثقافية نحو إنتاجها وتوطينها واستخدامها في كل مجالات الحياة” ((اليونسكو)، 2019).

 ومن ناحية أخرى أرى أن بالنسبة للآثار السياسية المرتبطة بالمعرفة فلا شك بأن المستويات العالية من المعرفة في الدول المتقدمة تساهم بشكل كبير في تنظيم الدولة وإدارتها من جهة، وتدعيم أسس الديموقراطية وضمان استقرار العملية الديموقراطية من جهة أخرى، فنلاحظ أن أغلب الدول المتقدمة معرفياً مستقرة سياسياً وتتمتع بسمتين مهمتين في هذا العصر وهما الاستقرار والمرونة، وذلك بسبب المعرفة المجتمعية التي تتمتع بها مجتمعات تلك الدول، فنلاحظ حتى أن أنماط الصراعات تختلف في الدول المتقدمة معرفياً عن غيرها.

وللأسف ومن وجهة نظر أخرى تقول إن للمعرفة آثارها المدمرة، فهنالك الكثير من الحوادث في التاريخ التي تدل على ذلك، فنلاحظ مستوى التقدم التكنولوجي في الحروب والذي يزيد من القوة التدميرية الهائلة التي تمتلكها البلدان المتقدمة، مما سمح بالقيام بالعديد من الكوارث الإنسانية والبيئية (قنبلتي هيروشما ونغازاكي على سبيل المثال)، وخطر نشوب حروب نووية أيضاً. أما الجانب الآخر فهو أخلاقيات المعرفة وماهي الأطر التي تحكم الإنسان بالمعرفة، وبمعنى آخر كيفية توجيه المعرفة نحو خدمة البيئة والتنمية المستدامة، فهنالك أزمة التغير المناخي والتي تشكل أهمية كبرى لدى جميع دول العالم، في حين أن هنالك العديد من المؤسسات الرائدة في مجال المعرفة (شركات النفط، شركات التصنيع الكبرى) لازالت تمضي في عملياتها التي تساهم بشكل كبير في أزمة التغير المناخي. وبالنسبة للملكية الفكرية و جدلية شرعيتها هنالك الكثير من التساؤلات المطروحة التي تشكك في أخلاقيات حقوق النشر وبالتالي بروز تساؤلات مثل : هل الملكية الفكرية شرعية؟ أم أن حق الوصول للمعلومة يجب أن يكون متاحاً لجميع الناس، ومن جهة أخرى يجادل البعض بأن حق الملكية الفكرية يساهم بشكل كبير في تمويل الأبحاث لأصحابها. لذلك هنالك الكثير من الجوانب التي مازالت موضع نقاش بالنسبة للعوامل المرتبطة بمفهوم المعرفة.

لا شك أن للمعرفة آثاراً سلبية وقد تكون مدمرة في بعض الأحيان، و هي وجهة نظر يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، ولكن يجب أن لا ننسى بأن المعرفة كانت أساس التقدم و التغيير في جميع الحضارات، فعنصر الحداثة كان العنصر الأساسي لتقدم الحضارات وهو ما يتجلى بمفهوم المعرفة، بمعنى آخر إن المعرفة هي المولد الأساسي لكل عملية تغيير، فلا نستطيع البدء بعملية التغيير بدون ان نعرف ، وبالتالي تشكل المعرفة الخطوة الأولى نحو أي تقدم، حتى في مجال محاربة المعرفة الغير شرعية فنحن نحتاج للإبداع و التنمية و نشر الوعي لخدمة أهداف التنمية المستدامة، و المساهمة في تقليل الآثار السلبية للمعرفة.[3]

وأخيراً لا بد لنا من نشر الوعي بأهمية المعرفة، والتأكيد على أنها الأصل الأكثر أهمية في أي تنظيم، لأن المعرفة تشكل القوة العاملة التي يصعب تقليدها من أي جهة أخرى كانت، وبالتالي عند التأكيد على هذه المبادئ من الممكن أن تكون الخطوة الأولى لبناء ما يسمى باقتصادات المعرفة. فنلاحظ بالبرامج القومية للدول التي تساهم بجذب واستقطاب وتوطين اليد العاملة عالية التأهيل في بلدانها بهدف خلق هذه البيئة المعرفية التي تشكل الثروة الحقيقية لكل دولة في هذا العصر. ومن هنا أؤكد على الفرص المتاحة للدول النامية في سد الفجوة المعرفية بينها وبين الدول المتقدمة من خلال أدوات العصر الحالي المتسم بالانفتاح وسرعة انتشار المعلومة، لا شك أن الفجوة متسعة من حيث التطور المعرفي ما بين الدول النامية و الدول المتقدمة، ولكن من الممكن للدول النامية استغلال مواردها و العمل على تشجيع الإبداع و القيام ببرامج قومية لجذب وتوطين المهارات، إضافةً لتوافر الإرادة في المستويات القيادية للقيام بعمليات التنمية التي تقوم على أساس المعرفة و نشرها و توطينها وهو ما يساهم في تقدم تلك الدول.

 

المراجع
  1. المكتب الاقليمي للدول العربية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الانمائي، و مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة. (2021). مؤشر المعرفة العالمي. تم الاسترداد من knowledge4all.org: https://cutt.us/lhXno
  2. منظمة الامم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). (2019). بناء مجتمعات المعرفة في المنطقة العربية (اللغة العربية بوابة للمعرفة). France: UNESCO.
  3. william loxley. (2022). The Effect of Knowledge on Wealth in World Development. تم الاسترداد من linkedin: https://cutt.us/Cy516

 

 

Visited 1 times, 1 visit(s) today